احمد احمد بدوي
56
من بلاغة القرآن
مكان كلمة ( غزيرة ) ، أدق في بيان غزارته ، فهو ماء لا يقتصد في استعماله ، كما يقتصد أهل الصحراء ، بل هو ماء يستخدمونه استخدام من لا يخشى نفاده ، بل ربما أوحت تلك الكلمة بمعنى الإسراف في هذا الاستخدام . واستخدام كلمة يَظُنُّونَ في الآية الكريمة : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) ( البقرة 45 ، 46 ) . قوية في دلالتها على مدح هؤلاء الناس ، الذين يكفى لبعث الخشوع في نفوسهم ، وأداء الصلاة ، والاتصاف بالصبر - أن يظنوا لقاء ربهم ، فكيف يكون حالهم إذا اعتقدوا ؟ . ومن دقة أسلوب القرآن في اختيار ألفاظه ما أشار إليه الجاحظ حين قال « 1 » : ( وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها ، وغيرها أحق بذلك منها ، ألا ترى أن اللّه تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع ، إلا في موضع العقاب ، أو في موضع الفقر المدقع ، والعجز الظاهر ، والناس لا يذكرون السغب ، ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة ، وكذلك ذكر المطر ، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام ، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر ، وذكر الغيث ) . لاختيار القرآن للكلمة الدقيقة المعبرة ، يفضل الكلمة المصورة للمعنى أكمل تصوير ، ليشعرك به أتم شعور وأقواه ، وخذ لذلك مثلا كلمة يُسْكِنِ في قوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ ( الشورى 33 ) . وكلمة تَسَوَّرُوا في قوله تعالى : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( القصص 21 ) . وكلمة ( يطوقون ) في الآية الكريمة : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ( آل عمران 180 ) . وكلمة يَسْفِكُ في آية : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ( البقرة 30 ) . وكلمة ( انفجر ) في قوله تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ( البقرة 60 ) . وكلمة يَخِرُّونَ في الآية : إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) . وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ( 108 ) ( الإسراء 107 ، 108 ) . وكلمة مُكِبًّا في قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( النمل 22 ) . وكلمة تَفِيضُ في قوله تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ( المائدة 83 ) . وكلمة يُصَبُّ في قوله تعالى : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( الحج 19 ) . وكلمة ( يدس ) في قوله تعالى :
--> ( 1 ) البيان والتبيين ج 1 ص 34 .